أبو البركات بن الأنباري
38
الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين
5 مسألة [ القول في رافع المبتدأ ورافع الخبر ] « 1 » ذهب الكوفيون إلى أن المبتدأ يرفع الخبر ، والخبر يرفع المبتدأ ؛ فهما يترافعان ، وذلك نحو « زيد أخوك ، وعمرو غلامك » . وذهب البصريون إلى أن المبتدأ يرتفع بالابتداء ، وأما الخبر فاختلفوا فيه : فذهب قوم إلى أنه يرتفع بالابتداء وحده ، وذهب آخرون إلى أنه يرتفع بالابتداء والمبتدأ معا ، وذهب آخرون إلى أنه يرتفع بالمبتدأ والمبتدأ يرتفع بالابتداء . أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا : إنما قلنا إن المبتدأ يرتفع بالخبر والخبر يرتفع بالمبتدأ لأنّا وجدنا [ 22 ] المبتدأ لا بدّ له من خبر ، والخبر لا بدّ له من مبتدأ ، ولا ينفك أحدهما من صاحبه ، ولا يتم الكلام إلا بهما ، ألا ترى أنك إذا قلت « زيد أخوك » لا يكون أحدهما كلاما إلا بانضمام الآخر إليه ؟ فلما كان كل واحد منهما لا ينفك عن الآخر ويقتضي صاحبه اقتضاء واحدا عمل كل واحد منهما في صاحبه مثل ما عمل صاحبه فيه ؛ فلهذا قلنا : إنهما يترافعان ، كل واحد منهما يرفع صاحبه . ولا يمتنع أن يكون كل واحد منهما عاملا ومعمولا ، وقد جاء لذلك نظائر كثيرة ، قال اللّه تعالى : أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى [ الإسراء : 110 ] فنصب أيّاما بتدعوا ، وجزم تدعوا بأيّاما ، فكان كل واحد منهما عاملا ومعمولا ، وقال تعالى : أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ [ النساء : 78 ] فأينما منصوب بتكونوا وتكونوا مجزوم بأينما ، وقال تعالى : فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [ البقرة : 115 ] إلى غير ذلك من المواضع « 2 » ، فكذلك هاهنا .
--> ( 1 ) انظر في هذه المسألة : تصريح الشيخ خالد ( 1 / 189 بولاق ) وشرح الأشموني ( 1 / 254 بتحقيقنا ) وحاشية الصبان عليه ( 1 / 186 بولاق ) وأسرار العربية للمؤلف ( ص 31 ليدن ) وابن عقيل ( 1 / 174 بتحقيقنا ) وقد قال بعد ذكر المذاهب : « وهذا خلاف مما لا طائل فيه » . ( 2 ) هي عند التأمل موضع واحد ، ولكن أمثلته متعددة ، ويجمع الكل أن بعض أسماء الشرط تعمل في الشرط والجواب جميعا ، والجواب أو الشرط يعمل فيها .